بيئات العمل الداعمة: جسر نحو الاستقرار النفسي للموظف
هل العمل مجرد مكان لتحقيق الأرباح؟ أم هو مساحة حيوية تشكل جزءاً كبيراً من هويتنا ورفاهنا الداخلي؟ الحقيقة الراسخة هي أنَّ مكان العمل يؤثر بعمق في صحتنا النفسية. فبدلاً من أن تكون بيئات العمل مصدراً للضغط والقلق المستمر، يمكن أن تتحول إلى بيئات داعمة، تعمل كجسر حقيقي نحو الاستقرار النفسي للموظف، خاصة الأفراد الذين قد يواجهون تحديات شخصية إضافية.
الرفاه النفسي في العمل: أبعد من حدود الأجر
تقليديًّا كان يُنظر إلى الصحة النفسية في محيط العمل على أنها مسؤولية فردية يتحملها الموظف وحده، أو تعالج كبرنامج لإدارة الضغوط في أحسن الأحوال. لكن هذا المنظور تغير جذريًّا اليوم، تدرك المؤسسات الرائدة أنَّ البيئة الداعمة هي المحرك الأساسي للاستقرار النفسي.
تُعرف بيئة العمل الداعمة بأنها المكان الذي يشعر فيه كل موظف، بغض النظر عن خلفيته، أو قدراته أو حالته الصحية، بالتقدير والانتماء والأمان العاطفي. هذا الانتماء ليس مجرد شعور عابر، إنه بمثابة خط وقاية من الإجهاد المزمن والإنهاك الوظيفي.
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن بيئات العمل غير الداعمة تساهم بشكل كبير في المشاكل المتعلقة بالصحة النفسية. بل تشير تقديراتهم إلى أنَّ الاكتئاب والقلق يكلفان الاقتصاد العالمي ما يقرب من تريليون دولار أمريكي سنويًّا على شكل انخفاض في الإنتاجية. هذا الرقم يوضح بجلاء أنَّ الاستثمار في ثقافة الدعم هو استثمار مباشر في كفاءة وسلامة العمل.
الدعم كأداة لبناء الاستقرار النفسي
كيف تبني ثقافة الدعم هذا الجسر المتين نحو الاستقرار النفسي؟
1. الأمان العاطفي وإزالة الأحكام السلبية: عندما تكون البيئة داعمة حقًّا يتم إزالة حاجز الأحكام السلبية المتعلقة بالتحديات النفسية مما يشعر الموظف حينها بالأمان الكافي للتعبير عن احتياجاته، سواء كانت طلباً للمرونة أو للحصول على إجازة تعافٍ نفسي دون الخوف من المساس بوضعه الوظيفي أو فرص ترقيه مما يقلل هذا بالأمان بشكل كبير من القلق المصاحب لإخفاء التحديات الشخصية وهذا ما يعد من أكبر مصادر الإجهاد الذهني في العمل.
2. المرونة والترتيبات الميسرة: لا يمكن أن يكون الدعم حقيقيًّا دون وجود المرونة؛ فإتاحة ترتيبات ميسرة وبسيطة، مثل ساعات عمل متغيرة أو إضاءة قابلة للتعديل أو أداة مساعدة معينة تسمح للموظفين بالعمل بكامل طاقتهم دون استنزاف نفسي أو جسدي وهذه المرونة هي مفتاح التحكم والسيطرة على بيئة العمل والتحكم هو عنصر حيوي للحفاظ على التوازن النفسي.
3. العدالة والإنصاف في الفرص: العمل الداعم يضمن أنَّ الموظف يحظى بتقييم عادل لأدائه بناءً على النتائج الفعلية وليس بناءً على انطباعات شخصية أو تحيزات غير واعية مرتبطة بخلفيته فهذا الإحساس العميق بالعدالة يغذي تقدير الذات ويزيل الشعور بالظلم مما يعزز الاستقرار النفسي على المدى الطويل.
خطوات عملية نحو بيئة عمل داعمة بفعالية:
لتنتقل المؤسسات من مجرد المساواة الشكلية إلى البيئة الداعمة العميقة، تحتاج إلى تبني استراتيجيات واضحة المعالم:
• تدريب القادة والمشرفين: يجب تدريبهم على التعرف على علامات الضغط النفسي وكيفية إجراء محادثات داعمة وسرية مع الموظفين وليس التركيز فقط على محادثات تقييم الأداء.
• إنشاء مجموعات دعم الموظفين: هذه المجموعات التي يقودها الموظفون أنفسهم (مثل مجموعات لدعم الآباء، أو لدعم الصحة النفسية) تخلق شبكات دعم عاطفي داخلية قوية.
• تصميم مزايا صحية شاملة: التأكد من أنَّ التأمين الصحي يغطي خدمات الصحة النفسية بنفس مستوى تغطية الصحة الجسدية وأنَّ الوصول إلى الاستشارات سريع ومحمي بالسرية التامة.
وفقاً لتقرير حديث صادر عن مركز الأبحاث الصحية المرموقة، فإن الشركات التي تستثمر في الدعم لا تشهد فقط تحسناً في معنويات الموظفين وسلامتهم النفسية، بل تتفوق أيضاً في الابتكار والاحتفاظ بالعناصر الموهوبة.
الخلاصة:
إنَّ الانتقال إلى بيئات العمل الداعمة لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل هو استراتيجية عمل ذكية وعاطفية. عندما يشعر الموظف بأنَّ بيئته المهنية تحتضن تنوعه وتدعم استقراره النفسي بفعاليَّة، فإنه يقدم أفضل ما لديه ويستطيع التعافي من التحديات بشكل أسرع. الاستثمار في بيئات العمل الداعمة هو الاستثمار الأكثر فاعلية في المستقبل المزدهر والممتد لأي مؤسسة.
تاريخ النشر:
2025-12-14 07:59:40
عدد المشاهدات:
776