التمكين اللغوي لا يُحسِّن فقط التواصل، بل يقلّل من مشاكل الانعزال النفسي والاكتئاب والقلق، ويسهم في تحسين جودة الحياة عامة.
في كل عام، يحتفل العالم في 23سبتمبر باليوم العالمي للغة الإشارة، والذي يهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية لغة الإشارة وحقوق الصم في التواصل والتعليم والمشاركة المجتمعية. يمثل هذا اليوم فرصة مهمة لتسليط الضوء على القضايا التي تواجه مجتمعات الصم وضعاف السمع، خاصة فيما يتعلق بحقوقهم الأساسية مثل الصحة النفسية، التي غالباً ما تُهمل بسبب الحواجز اللغوية والثقافية.
تحديات الصحة النفسية ومجتمع الصم:
يعاني الكثير من الصم وضعاف السمع من تحديات نفسية متزايدة، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها:
- العزلة الاجتماعية نتيجة عدم القدرة على التواصل بسهولة مع الآخرين.
- سوء الفهم أو التشخيص الخاطئ للحالات النفسية بسبب ضعف التواصل بين المريض والاختصاصي.
- قلة عدد الاختصاصيين النفسيين الملمين بلغة الإشارة، مما يجعل الوصول إلى الدعم النفسي مهمة شبه مستحيلة للبعض.
- الوصمة المزدوجة؛ حيث يواجه الأفراد تمييزًا بسبب إعاقتهم السمعية وأيضًا بسبب مشكلات الصحة النفسية.
أدلة علمية على العلاقة بين لغة الإشارة والصحة النفسية:
الاكتئاب والقلق لدى الصم وضعاف السمع
في مراجعة منهجية بعنوان الصحة النفسية عند الشباب وصغار السن من الصم أو ضعاف السمع من عمر 6-21 سنة يعانون من نسب عالية من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق مقارنة بأقرانهم الذين ليس لديهم مشاكل في السمع (Khalid et al., 2025).
أهمية بدء التعلم بلغة الإشارة مبكرًا واحتياج فئة الصم الى الرعاية النفسية المبكرة:
لاحظ الباحثون في مركز الصم الوطني الأمريكي أنَّ تحسن القدرات اللغوية عند الصم مرتبط بتحسن الصحة النفسية والأداء الوظيفي العام الأفضل. بل إن الحرمان اللغوي أدى الى مشاكل في التعبير عن المشاعر وتأخر التشخيص وزيادة العزلة الاجتماعية، بل أن أقل من 2% تلقوا الخدمة النفسية اللازمة وهذه نسبة قليلة.
الاتصال الكامل بلغة الإشارة يقلل من العزلة ويحسِّن جودة الحياة، في دراسة نشرت في مجلةBMC Psychiatry عام 2023م وجدت أن الأطفال والمراهقين الذين يمتلكون تواصلًا جيدًا بلغة يفهمونها يكونون أقل عرضة للقلق والاكتئاب، ويبلغون جودة حياة أفضل. (Aanondsen et al., 2023)
لغة الإشارة والصحة النفسية:
لغة الإشارة ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هي أيضًا أداة للتعبير عن المشاعر، وتفريغ الضغوط، وبناء العلاقات الاجتماعية. وجود بيئة تواصل داعمة وفعّالة يخفف من شعور الفرد بالوحدة أو القلق أو الاكتئاب. إن الاعتراف بلغة الإشارة رسميًا في المؤسسات الصحية والتعليمية، وتوفير مترجمين متخصصين، يمكن أن يحدث فرقًا هائلًا في تحسين جودة الخدمات النفسية المقدمة لمجتمع الصم.
دور المجتمعات والمؤسسات :
- التوعية :نشر الوعي بأهمية لغة الإشارة من خلال حملات إعلامية وتعليمية.
- التدريب: تدريب الكوادر الطبية والنفسية على أساسيات لغة الإشارة.
- الدعم: دعم المبادرات التي توفر خدمات نفسية بلغة الإشارة.
- القوانين: سن تشريعات تضمن حقوق الصم في الوصول المتكافئ إلى خدمات الصحة النفسية.
توصيات لتعزيز الصحة النفسية من خلال لغة الإشارة:
- توفير تعليم بلغة الإشارة مبكرًا للأطفال الصم، داخل البيت والمدرسة.
- تدريب الاختصاصيين النفسيين والطبيين على لغة الإشارة وثقافة الصم.
- ضمان توفر مترجمين مؤهلين في مرافق الصحة النفسية.
- سن تشريعات تُلزم المؤسسات بتوفير وسائل تواصل ملائمة (لغة الإشارة، ترجمة فورية، وغيرها).
- دعم الأبحاث العلمية في البلدان الناطقة بالعربية حول هذا الموضوع، حتى يُعرف الوضع المحلي ويتم تطوير السياسات بناءً على بيانات محليّة.
بناءً على ما سبق، يتضح لنا أن لغة الإشارة تساهم في التالي:
1- التعبير العاطفي والتواصل الفعال :القدرة على التعبير عن المشاعر، والمشاركة الاجتماعية، وتخفيف الشعور بالوحدة.
2- الهوية والانتماء الثقافي:
الصم الذين يتقنون لغة الإشارة غالبًا ما يشعرون بعضوية ضمن مجتمعهم، مما يعزز الثقة بالنفس.
3- تقليل العوائق في الخدمات العلاجية: عندما يكون المعالج أو الوسيط يتحدث بلغة الإشارة أو يوجد مترجم مؤهل، يحصل التشخيص والعلاج بشكل أدق وأشمل.
4- الوقاية من المشاكل النفسية الثانوية: مثل الاكتئاب الناتج من العزلة، أو القلق الناتج من عدم القدرة على المشاركة الاجتماعية.
لغة الإشارة ليست ترفًا، بل ضرورة للصحة النفسية للأشخاص الصم أو ضعاف السمع. نحتفل بيوم اللغة الإشارة ليس فقط كتقدير لثقافة الصم، بل كفرصة للضغط من أجل سياسات وخدمات تضمن أن كل إنسان بإمكانه أن يتواصل، يُعالج، ويعيش بصحة نفسية جيدة – بغض النظر عن قدرات السمع.