الغموض جزء طبيعي من الحياة، فلا يمكننا إحراز اليقين في كل ما يجري حولنا، ولا يمكننا الجزم بكل شيء، بل كثير من المواقف والأحداث قد لا نملك لها تفسيرًا حقيقيًّا، سواء كان ذلك في الصحة، أو الماديات، أو العلاقات، أو الأحداث العامة من حولنا.
الغموض هو المواقف المقلقة التي لا تتوفر فيها معلومات كافية وواضحة ومؤكدة مثل انتظار نتائج فحوصات أو نتائج مقابلة وظيفية أو قرارات غير مضمونة في حياتنا.
انتظار ما سيحدث بعد قليل مع عدم معرفته هو من أشد الأمور المقلقة للأشخاص المصابين بالقلق، ويمكن أن يؤدي هذا الخوف إلى مزيد من الضغط النفسي والاكتئاب. لكن لحسن الحظ فقد أسفرت الأبحاث النفسية عن إستراتيجيات للتعامل مع تلك المواقف الغامضة والمقلقة.
إليك 4 خطوات عملية مثبتة علميًّا للتعامل مع هذه المشكلة:
1- تعرف إلى علامات الغموض ولاحظها بدلًا من تجنبها:
الخطوة الأولى للتكيف مع قلق الغموض هو معرفة المواقف المثيرة لهذا النوع من القلق وعلاماتها وتسمية المشاعر بمسمياتها الصحيحة. فالأبحاث العصبية تشير إلى أن تسمية المشاعر بمسماها الصحيح يساعد الدماغ على تنظيم الانفعالات وتقليل النشاط العصبي المرتبط بالقلق والخوف ) Yoshimura, et al., 2023).
كيف يمكننا تطبيق هذه الخطوة:
• توقف ولاحظ شعورك الحالي.
• اختر اسمًا لشعورك هل هو خوف أو قلق أو رهبة.
• ارسم شكلًا لشعورك الآن.
• اكتب ما التصرف الصحيح عند حدوث هذه المشاعر.
• قيم قوة شعورك من 100%.
• استخدم عبارات يسيرة، مثل أنا أشعر بالقلق لأنني لا أعلم ما سيحدث بعد قليل.
• اكتب أفكارك المرتبطة بهذا الشعور ووضح لنفسك هذه التجربة.
2- ركز على ما يمكنك التحكم فيه:
عدم اليقين والغموض يعني وجود عوامل أخرى خارج سيطرتك. وتحويل تركيزك الذهني من الجوانب الخارجة عن سيطرتك إلى الجوانب التي يمكنك التحكم بها، يقلل من شعورك بالقلق ويعيد إليك الشعور بالاستقرار والثقة بالنفس. وهذا المفهوم هو بناء على نظرية روتر 1966 مركز التحكم. إذ يفترض أن الأشخاص الذين يستطيعون التركيز على جوانب يمكنهم التحكم بها هم أكثر مرونة نفسيًّا من الآخرين.
كيف يمكننا تطبيق هذه الخطوة:
- عدد العوامل التي تكون ضمن قدرتك على التحكم مثل ردة فعلك الروتين اليومي والاهتمام الذاتي.
- تصرف ضمن خطوات ومهام صغيرة يمكن التعامل معها مثل إجراء فحوصات الدم قبل بدء حمية شديدة أو اتخاذ قرار عملية جراحية.
- حاول تطبيق نظام يومي روتيني ومعتاد لدعم شعورك بالاستقرار، مثلًا أن يكون موعد استيقاظك من النوم ثابتًا خلال أيام الأسبوع تقريبًا، ولا يجب أن يكون مثاليًّا 100%.
3- تمرَّن على إعادة الصياغة الذهنية لأفكارك:
الصياغة الذهنية هي إحدى مهارات العلاج المعرفي السلوكي، وهي تركز على تغيير طريقة تفكيرك ووجهة نظرك عن موقف محدد، مثلًا النظر إلى موعد طبي وفحص دم على أنه تصرف سليم لمتابعة صحتك الجسدية. وهذه التقنية يمكنها تقليل الشعور بالقلق وتحسين مهارة اتخاذ القرارات عند الغموض.
كيف يمكننا تطبيق هذه الخطوة:
اسأل نفسك ما الاحتمالات الأخرى الواردة التي يمكنها أن تكون مفيدة وفعالة في تعاملي مع الموقف؟
4- حاول بناء قدرتك على احتمال الضغوط والمواقف الغامضة من خلال المواجهة:
من خلال رفع قدرتك على احتمال الضغوط. فالتجنب هنا مرتبط بارتفاع القلق.
كيف يمكننا تطبيق هذه الخطوة:
ابدأ بمواقف غامضة صغيرة، وبالتدريج عرِّض نفسك لمواقف أخرى فيها غموض مرتفع، مثل تسليم خطة تجهيز رحلة العطلة إلى صديق أو أخ دون التدخل ودون معرفة كامل التفاصيل.
حاول ملاحظة المواقف الغامضة التي استطعت تقبُّلها في السابق مثل رفض جهة العمل بعد المقابلة.
تمرَّن على الحضور الذهني وحاول البقاء في اللحظة الحالية والتعاطف مع نفسك بالرغم من القلق المحيط بالأحداث.
الخلاصة
لا تخلو حياتنا من المواقف المقلقة التي لا نملك نحوها تفسيرًا يقينيًّا. لكننا نعلم أيضًا أنه ليس علينا معرفة كل شيء ولا أن نضمن نتيجة كل شيء، إذ ليس كل ما نتمناه ندركه حتمًا، ولكن التسليم بقَدَر اللَّه وتقبُّلَ الجوانب والعوامل الخارجة عن سيطرتنا والتركيز على الجانب العملي الواقعي الذي يمكننا اتباعه براحة هو الأَوْلى في رفع الصحة النفسية والمرونة الذاتية تجاه المواقف الصعبة.
ملاحظة:
هذه المادة للتثقيف والدعم المجتمعي ولا تغني عن الاستشارة النفسية المتخصصة.
وهذه المقالة مقالة عامة عن القلق الطبيعي اليومي والمواقف الضاغطة الغامضة.